السيد نعمة الله الجزائري
202
الأنوار النعمانية
أقل بالنسبة إليّ ما أعد اللّه تعالى للزاهدين في دار النعيم ؛ فكل واحدة من هذه الدرجات لها درجات ؛ وأمّا انقسامه بالإضافة إلى المرغوب فيه فثلاث درجات أيضا . الأولى أن يكون المرغوب فيه النجاة من النّار ومن ساير الآلام كأن يسمع أنّ في جهنّم عقارب كالبغال المعلّفة وإنّ فيها حيّات لو نفخت منها حيّة في الدنيا لا ذابت الجبال والأحجار ولما بقي على وجه الأرض رطب ولا يابس إلا احترق ، وإنّ الرجل ليوقف في الحساب حتى ولو وردت مائة بعير عطاشى على عرقه لصدرن رواء ؛ فهذا زهد الخائفين وسمّى الصادق عليه السّلام عبادة هؤلاء بأنها عبادة العبيد وهو الخوف من عقاب المولى وهذه هي الدرجة السفلى الثانية ان يزهد رغبة في ثواب اللّه تعالى واللذات الموعودة في الجنة فهذا زهد الراجين ؛ وسمى مولانا الصادق عليه السّلام عباداتهم بأنها عادة التجار ؛ فهؤلاء لا خطوا مع الخلوص من العذاب نيل الثواب . الثالثة وهي العليا ان لا يكون له رغبة الا في اللّه تعالى وفي رضائه ولقاءه ، وهذا هو التوحيد الحقيقي الذي أشار إليه مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام بقوله ما عبدتك خوفا من نارك ، ولا طمع في جنّتك ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدبتك ، وهذه الدرجة لا يمكننا نيلها ولو قلبا بألسنتنا أنّ هذه الدرجة هي مقصودنا ، لكذّبنا الوجدان ، فلسان الحال يكّذب لسان المقال ، وإلى هذه الدرجات الإيماء بقوله تعالى قل للذي كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنّم وبئس المهاد ، ثمّ قال في ذلك السياق الذين اتقوا عند ربهم جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من اللّه ، وفي موضع آخر يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي اللّه عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم ؛ والإشارة إلى القريب وفي آية أخرى بعد أن ذكر ما هيأ لهم من مراتب النعيم : ورضوان من اللّه أكبر ؛ وذلك لعلمه سبحانه باختلاف مطالب خلائقه وتشتت طبائعهم . وروي أنّ عيسى عليه السّلام جلس في ظلّ حايط إنسان فأقامه صاحب الحائط ، فقال ما أقمتني أنت إنّما أقامني الذي لم يرض لي أن أتنعم في ظل الحائط . فإن قلت ذكرت أنّ الزهد ترك ما سوى اللّه تعالى فكيف يتصور ذلك مع الاكل والشرب واللبس ومخالطة الناس فإنّ هذا اشتغال بما سوى اللّه ؟ قلت معنى الانصراف عن الدنيا وهو الإقبال بالقلب على اللّه تعالى ولا يتصور ذلك إلا بضروريات الحياة ؛ فإذا كان المقصود بتلك الأمور التوصل إلى جناب الحق تعالى كان الاشتغال بها مثل اشتغال الحاج بإصلاح أحوال ناقته وعلفها في طريق الحج ، فإنّ الغرض منه التوصل إلى مكّة فهذا مما لا ينافي الزهد وضروريات الإنسان في حياته كثيرة ؛ فمنها المطعم وذلك لأنّ الإنسان لا بدّ له من طعام حلال يقيم به صلبه ،